تحسين البدري
9
معجم مفردات أصول الفقه المقارن
سبيل تنمية هذا العلم وعلى أصعدة متعدّدة لا الفقه فحسب ، إلّا أنّه علم لا يخلو من إشكاليات لا زال يعاني منها ، ولا يعرف المخرج منها ، وهي من قبيل الأمور الآتية : أ - إعمال العقل في كثير من القضايا التي يكفي فيها العرف ، بل أحيانا يكون إعمال العقل أكثر ممّا ينبغي إعماله . فمن المعروف أنّ الدين نزل للجميع لا طبقة دون أخرى ، وخطابه لا يختصّ بشريحة العلماء وذوي العقول والذهنيات الدقيقة ، لكنّ علماء الأصول يتلقّون الكثير من النصوص الدينية تلقّيا فلسفيا دقيقا ، وينظرون إلى آلياته نظرة عقلية غير عرفية ، مع أنّ المفروض النظر إلى كثير من قضايا أصول الفقه وبحوثه بنظرة عرفية . على سبيل المثال هناك بحوث تندرج تحت عنوان السبب والسببيّة ، والكثير من العلماء يتلقّون السببيّة الشرعية ذات السببيّة الكونية ، ويحكمون عليها على غرار حكمهم على الأسباب التكوينية ، فيمنع البعض تداخلها مثلا ، بينما السببيّة الشرعية اعتبارية ، لا تحكي واقعا كونيا لا يمكن التخلّف عنه ، فهي سببيّة جعلها الشارع لأغراض خاصّة ، ولا تعني أنّها تعكس سننا كونية لا ينبغي التخلّف عنها . وهناك بحث ورد عن الأصوليين كذلك في مجال امكانية الشرط المتأخر ، من قبيل غسل المستحاضة الذي يؤثّر على صحّة صومها في نهار اليوم السابق ، والبعض حكم بعدم إمكانه من باب استحالة تأثير المتأخّر في المتقدّم ؛ قياسا له على الظواهر الطبيعية . ب - الكثير من القضايا الأصولية ظنيّة جدلية ، ممّا يجعل باب النقاش فيها مفتوحا دائما دون بلوغ حلّ قطعي ، ولا يلوح في الأفق زمان محدّد لانغلاق بابها ، فهي ليست من قبيل كروية الأرض ، التي دام النقاش فيها لقرون ثمّ تقبّلتها البشرية بعد ما خضعت القضية إلى تجارب واضحة وتلسكوبات كبيرة تكشف الواقع . إنّ قضايا من قبيل دلالة الأمر على الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة ، قضايا لا يمكن بلوغ اليقين فيها ، فتبقى موضع نقاش الأصوليين ما دام هناك من يهتمّ بهذا العلم ، وعلى من يلج هذا العلم أو يريد أن يبدي رأيا فيه أن يخطو جميع خطوات التحقيق التي مرّ بها هذا الموضوع ؛ لأنّه يقلّ في الأصول قضايا قطعية ينظر إليها نظرة مسلّمات . يبدو أنّ النقاش سيستمر حتّى لو دوّنا منطقا خاصّا لهذا العلم على غرار منطق الرياضيات والعلوم المادية كالفيزياء والكيمياء ؛ وذلك لطبيعة هذا العلم الجدليّة . بالطبع النقاش العلمي أمر مطلوب بحدّ ذاته ، وليس الكلام في أصل النقاش بل